الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

168

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يسخرون من المؤمنين ويلمزونهم ويستضعفونهم وكيف انقلب الحال في العالم الأبدي . [ 1 - 3 ] [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ( 1 ) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ( 2 ) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ( 3 ) افتتاح السورة باسم الويل مؤذن بأنها تشتمل على وعيد فلفظ وَيْلٌ من براعة الاستهلال ، ومثله قوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] . وقد أخذ أبو بكر بن الخازن من عكسه قوله في طالع قصيدة بتهنئته بمولود : بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا والتطفيف : النقص عن حق المقدار في الموزون أو المكيل ، وهو مصدر طفف إذ بلغ الطفافة . والطفاف ( بضم الطاء وتخفيف الفاء ) ما قصر عن ملء الإناء من شراب أو طعام ، ويقال : الطفّ بفتح الطاء دون هاء تأنيث ، وتطلق هذه الثلاثة على ما تجاوز حرف المكيال مما يملأ به وإنما يكون شيئا قليلا زائدا على ما ملأ الإناء ، فمن ثمّ سميت طفافة ، أي قليل زيادة . ولا نعرف له فعلا مجردا إذ لم ينقل إلا بصيغة التفعيل ، وفعله : طفّف ، كأنهم راعوا في صيغة التفعيل معنى التكلف والمحاولة لأن المطفف يحاول أن ينقص الكيل دون أن يشعر به المكتال ، ويقابله الوفاء . و وَيْلٌ كلمة دعاء بسوء الحال ، وهو في القرآن وعيد بالعقاب وتقريع ، والويل : اسم وليس بمصدر لعدم وجود فعل له ، وتقدم عند قوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ في سورة البقرة [ 79 ] . وهو من عمل المتصدين للتجر يغتنمون حاجة الناس إلى الابتياع منهم وإلى البيع لهم لأن التجار هم أصحاب رؤوس الأموال وبيدهم المكاييل والموازين ، وكان أهل مكة تجارا ، وكان في يثرب تجار أيضا وفيهم اليهود مثل أبي رافع ، وكعب بن الأشرف تاجري أهل الحجاز وكانت تجارتهم في التمر والحبوب . وكان أهل مكة يتعاملون بالوزن لأنهم يتجرون في أصناف السلع ويزنون الذهب والفضة وأهل يثرب يتعاملون بالكيل . والآية تؤذن بأن التطفيف كان متفشيا في المدينة في أول مدة الهجرة واختلاط المسلمين بالمنافقين يسبب ذلك .